التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط.. من سباق الخصومات إلى معركة الربحية

التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط.. من سباق الخصومات إلى معركة الربحية

لم يعد نمو التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط مرتبطا فقط بزيادة أعداد المتسوقين عبر الإنترنت أو اتساع قاعدة مستخدمي المنصات الرقمية، إذ تتجه المنافسة تدريجيا نحو معادلة أكثر تعقيدا تجمع بين الاحتفاظ بالعملاء، وتحسين تجربة التسوق، ورفع كفاءة التشغيل، وتحقيق نمو مستدام في الإيرادات.

ومع توسع استخدام القنوات الرقمية في التسوق، تواجه شركات التجارة الإلكترونية تحديا يتجاوز جذب المستهلكين إلى منصاتها، يتمثل في تحويل الزيارات والطلبات المتزايدة إلى علاقات مستمرة مع العملاء، دون الاعتماد المفرط على الخصومات والعروض الترويجية التي قد تضغط على هوامش الربح.

وتشير تقديرات شركة Redseer للاستشارات الاستراتيجية، في تقرير نشرته في نوفمبر 2025، إلى أن حصة التجارة الإلكترونية من إجمالي تجارة التجزئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرشحة للارتفاع من 9% في 2024 إلى 16% بحلول 2030، في سوق تجزئة أوسع تبلغ قيمتها نحو 750 مليار دولار.

ويرصد التقرير تحولا في محركات النمو بالمنطقة، مع تزايد أهمية قطاعات البقالة والتجارة السريعة، إلى جانب انتقال تركيز المنصات من استقطاب مستخدمين جدد إلى زيادة مشتريات العملاء الحاليين وتحسين مستويات الاحتفاظ بهم.

سوق تنمو.. ومنافسة تتغير

تأتي هذه التحولات في وقت تتوسع فيه التجارة الإلكترونية عبر أسواق المنطقة، مع اختلاف مستويات النضج الرقمي وحجم الطلب وطبيعة المنافسة من دولة إلى أخرى.

وفي الإمارات، بلغت قيمة سوق التجارة الإلكترونية 42.2 مليار درهم، بما يعادل نحو 11.5 مليار دولار، خلال 2025، مقارنة بنحو 17.6 مليار درهم في 2020، وفقا لتقرير صادر عن مركز EZDubai بالتعاون مع Euromonitor International في سبتمبر 2026.

وسجلت السوق الإماراتية معدل نمو سنوي مركب بلغ 19% خلال الفترة من 2020 إلى 2025، فيما تشير التوقعات إلى إمكانية وصول قيمتها إلى 67.2 مليار درهم بحلول 2030.

وتعكس هذه الأرقام اتساع الفرص المتاحة أمام شركات التجارة الإلكترونية ومقدمي الخدمات المرتبطة بها، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول قدرة الشركات على الحفاظ على معدلات النمو، وتحويل التوسع في المبيعات إلى أداء تشغيلي ومالي مستدام.

فزيادة حجم السوق لا تعني بالضرورة أن جميع الشركات العاملة فيها تحقق أرباحا، كما أن نمو عدد العملاء لا يكشف وحده عن تكلفة استقطابهم أو حجم الإيرادات التي يحققونها على المدى الطويل.

ومن هنا، تتجه أهمية المنافسة نحو كفاءة نموذج العمل، وقدرة الشركات على بناء قاعدة عملاء متكررين، وتطوير خدمات تجعل المستهلك يفضل التعامل معها حتى في غياب الخصومات الاستثنائية.

من استقطاب العملاء إلى الاحتفاظ بهم

يمثل التحول من استقطاب العملاء إلى الاحتفاظ بهم أحد أبرز الاتجاهات التي ترصدها Redseer في مستقبل التجارة الإلكترونية بالمنطقة.

ووفقا لتحليل الشركة، من المتوقع أن يأتي 80% من النمو المستقبلي في سوق التجارة الإلكترونية الإماراتية من زيادة إنفاق العملاء الحاليين، وليس من استقطاب مستخدمين جدد فقط.

ويعني هذا الاتجاه أن المنافسة لا تتوقف عند إتمام أول عملية شراء، بل تمتد إلى تشجيع العميل على تكرار الشراء، وتوسيع فئات المنتجات التي يشتريها، وزيادة اعتماده على المنصة في تلبية احتياجاته اليومية.

وتتطلب هذه الاستراتيجية فهما أكثر دقة لسلوك المستهلك، وتطوير برامج ولاء فعالة، وتحسين توصيات المنتجات، وتقديم تجربة شراء تتسم بالسهولة والموثوقية.

كما تمنح الشركات فرصة لتقليل اعتمادها على الحملات الترويجية المكلفة، إذا نجحت في بناء علاقة مستدامة مع العملاء وتقديم قيمة تتجاوز السعر المخفض.

لكن تحقيق ذلك يظل مرتبطا بقدرة كل شركة على فهم اقتصاديات عملياتها، بما يشمل تكلفة التسويق، وتجهيز الطلبات، والتوصيل، وخدمة العملاء، ومعالجة المرتجعات.

الخصومات وحدها لا تكفي لإتمام عملية الشراء

رغم أهمية السعر في قرارات الشراء، لا تتحدد تجربة التجارة الإلكترونية بقيمة الخصم وحدها، إذ تؤثر تكاليف التوصيل وسرعته ووضوح سياسات الاسترجاع ومرونة الدفع في قرار المستهلك النهائي.

ويكشف تقرير DHL eCommerce Trends Report 2026، الذي استند إلى استطلاع شمل 29 ألف متسوق عبر الإنترنت و5800 شركة في 29 دولة، أن 67% من المتسوقين المشاركين سبق لهم التخلي عن سلة الشراء بسبب خيارات التوصيل.

وأشار التقرير إلى أن الشحن المجاني يمثل أحد أبرز العوامل التي تشجع المستهلكين على إتمام الشراء، بينما تظل الخصومات والعروض من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الشركات لتحفيز المبيعات.

وتوضح هذه النتائج أن قرار الشراء يتأثر بمجموعة من العوامل المتداخلة، وأن تكلفة التوصيل قد تتحول إلى عائق حتى عندما يكون المستهلك مستعدا لشراء المنتج.

وبالنسبة إلى الشركات، فإن توفير التوصيل المجاني أو السريع ليس قرارا تسويقيا فحسب، بل يرتبط أيضا بتكلفة تنفيذ الطلب وقدرة النشاط التجاري على تحملها.

ولهذا، تصبح إدارة عمليات التوصيل والمخزون والمرتجعات عنصرا أساسيا في المنافسة، خصوصا لدى الشركات التي تعمل بهوامش محدودة أو تستهدف توصيل الطلبات خلال فترات زمنية قصيرة.

البقالة الإلكترونية والتجارة السريعة.. فرص نمو واختبار للربحية

تبرز البقالة الإلكترونية والتجارة السريعة ضمن القطاعات التي تستقطب اهتمام الشركات والمستثمرين في الشرق الأوسط، مع اتساع استخدام المنصات الرقمية لشراء المنتجات اليومية بدلا من اقتصارها على الإلكترونيات والأزياء وغيرها من الفئات التقليدية.

ووفقا لتقرير Redseer الصادر في أكتوبر 2026، ارتفعت قيمة سوق البقالة الإلكترونية في مصر والسعودية والإمارات مجتمعة من 3.7 مليار دولار في 2023 إلى 6 مليارات دولار في 2025، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 27%.

وأشار التقرير إلى أن منصات التجارة السريعة باتت تستحوذ على ما بين 66% و75% من إجمالي قيمة مبيعات البقالة الإلكترونية في الأسواق الثلاث، مقارنة بنسب تراوحت بين 13% و30% في 2021.

ورغم هذا النمو، لا تزال البقالة الإلكترونية تمثل نحو 6% فقط من إجمالي سوق البقالة في الأسواق التي تناولها التقرير، بما يشير إلى وجود مساحة لمزيد من التوسع خلال السنوات المقبلة.

لكن هذا القطاع يواجه تحديا تشغيليا واضحا، يتمثل في تحقيق التوازن بين سرعة التوصيل وتكلفة تنفيذ الطلبات، خصوصا أن المشتريات اليومية قد تتضمن منتجات منخفضة القيمة نسبيا، بينما تتطلب عملية التوصيل موارد بشرية وتشغيلية ولوجستية.

وتعتمد قدرة الشركات على الاستفادة من نمو هذا القطاع على مجموعة من المتغيرات، من بينها كثافة الطلبات في المناطق الجغرافية التي تعمل بها، وكفاءة إدارة المخزون، ومتوسط قيمة الطلب، وتكرار الشراء، وتكلفة التوصيل.

ومن ثم، لا يرتبط نجاح شركات البقالة الإلكترونية بمجرد زيادة عدد الطلبات، بل بقدرتها على بناء نموذج تشغيلي يتيح تلبية الطلب المتزايد بتكلفة مناسبة.

مصر والسعودية والإمارات.. أسواق مختلفة وتحديات مشتركة

رغم اشتراك مصر والسعودية والإمارات في اتجاه نمو التجارة الإلكترونية، فإن اختلاف خصائص المستهلكين ومستويات الإنفاق والبنية التحتية الرقمية يجعل التعامل مع المنطقة كسوق واحدة أمرا غير دقيق.

ففي الإمارات، تعكس قيمة السوق ومستويات انتشار التسوق الإلكتروني فرصا أمام الشركات التي تسعى إلى توسيع خدماتها الرقمية، وتطوير نماذج تجمع بين المتاجر التقليدية والمنصات الإلكترونية.

أما السعودية، فتظل من الأسواق الرئيسية للتجارة الإلكترونية في المنطقة، مع فرص مرتبطة بتوسع الاستهلاك الرقمي وتطوير الخدمات اللوجستية والمدفوعات.

وفي مصر، يكتسب السعر والقدرة الشرائية أهمية خاصة عند تحليل سلوك المستهلكين، وهو ما تؤكده نتائج دراسة نشرتها بوابة الأهرام في أغسطس 2025، استنادا إلى بيانات شركة Crowd Analyzer التي حللت النقاشات الرقمية المتعلقة بالتجارة الإلكترونية في مصر والسعودية والإمارات.

ورصدت الدراسة 416 مليون نشاط رقمي مرتبط بالتجارة الإلكترونية في مصر خلال الفترة من 2024 إلى أوائل 2025، مقابل 749 مليون نشاط في السعودية و367 مليون نشاط في الإمارات.

وأشارت الدراسة إلى أن 74.3% من الإشارات المتعلقة بالمستهلكين المصريين ارتبطت بالقيمة والسعر، مقابل 15.4% للشحن و9.3% لخدمة العملاء.

وتتعلق هذه الأرقام بتحليل الإشارات والنقاشات الرقمية، وليس باستطلاع مباشر يمثل جميع المستهلكين أو بقياس حصص السوق، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها مؤشرا على الموضوعات التي تشغل المستهلكين في النقاشات الإلكترونية.

وتكشف هذه المؤشرات عن أهمية تطوير استراتيجيات تتناسب مع طبيعة كل سوق، بدلا من افتراض أن نموذج العمل الذي ينجح في دولة يمكن نقله إلى دولة أخرى دون تعديلات.

كما تفتح المجال أمام الشركات الناشئة لتطوير حلول تستجيب لاحتياجات محددة، سواء في إدارة المدفوعات، أو تحسين تجربة التسوق، أو خدمات التوصيل، أو تمكين التجار من البيع عبر الإنترنت.

التكنولوجيا تعيد تشكيل تجربة التسوق

لا تقتصر التحولات في التجارة الإلكترونية على نماذج التسعير والتوصيل، بل تمتد إلى استخدام التكنولوجيا لتحسين تجربة المستهلك ورفع كفاءة العمليات.

ويبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد الشركات في تحليل سلوك العملاء، وتقديم توصيات أكثر ملاءمة، وتطوير خدمة العملاء، والتنبؤ بالطلب، وتحسين إدارة المخزون.

ووفقا لتقرير DHL eCommerce Trends Report 2026، يستخدم 38% من المتسوقين المشاركين و36% من الشركات المشاركة أدوات محادثة أو مساعدين افتراضيين مدعومين بالذكاء الاصطناعي في عمليات الشراء والبيع.

لكن توظيف هذه التقنيات لا يضمن تلقائيا زيادة المبيعات أو خفض التكاليف، إذ تعتمد النتائج على جودة البيانات، ومدى ملاءمة الأدوات لاحتياجات النشاط التجاري، وقدرة الشركات على دمجها في عملياتها اليومية.

كما أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يطرح تساؤلات تتعلق بخصوصية بيانات المستهلكين، وموثوقية التوصيات، وحدود تفويض الأنظمة الذكية لاتخاذ قرارات الشراء.

وبالنسبة إلى الشركات الناشئة، يمكن أن تتيح هذه التحولات فرصا لتقديم حلول متخصصة للمتاجر والمنصات، خصوصا في المجالات التي تجمع بين تحليل البيانات وأتمتة العمليات وتحسين الكفاءة التشغيلية.

ما الذي سيحدد الفائزين في المرحلة المقبلة؟

تشير اتجاهات السوق إلى أن التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط لا تزال تمتلك فرصا للنمو، لكن طبيعة المنافسة تتغير تدريجيا مع اتساع قاعدة المستهلكين وتطور توقعاتهم.

فبدلا من الاعتماد على الخصومات باعتبارها أداة أساسية لجذب الطلب، تتزايد أهمية بناء تجربة شراء متكاملة تجمع بين السعر المناسب، وسهولة الدفع، وسرعة التوصيل، ووضوح سياسات الاسترجاع، وجودة خدمة العملاء.

وفي الوقت نفسه، ستظل كفاءة التشغيل عاملا حاسما في تحديد قدرة الشركات على الاستمرار، خصوصا في القطاعات التي تتطلب استثمارات كبيرة في المخزون والتوصيل والبنية التحتية.

وبالنسبة إلى المستثمرين والشركات الناشئة، لا يكفي تقييم فرص التجارة الإلكترونية استنادا إلى حجم السوق أو معدلات نمو المبيعات فقط، بل ينبغي النظر أيضا إلى تكلفة اكتساب العملاء، ومعدلات تكرار الشراء، ومتوسط قيمة الطلب، وهوامش الربح، والقدرة على التوسع دون زيادة التكاليف بالمعدل نفسه.

وفي النهاية، قد لا تكون المنافسة الأهم في سوق التجارة الإلكترونية بالشرق الأوسط بين الشركات التي تقدم أكبر الخصومات، بل بين الشركات التي تستطيع تقديم قيمة مستمرة للمستهلك، وتحويل الطلب المتزايد إلى نموذج أعمال قادر على النمو والاستمرار.

التعليقات

لا يوجد تعليقات بعد كن اول من يعلق.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

مقالات مقترحة

عرض المزيد
كيف يفتح التسوق عبر YouTube فرصا جديدة أمام التجار وصناع المحتوى في مصر والسعودية والإمارات؟

كيف يفتح التسوق عبر YouTube فرصا جديدة أمام التجار وصناع المحتوى في مصر والسعودية والإمارات؟

2026-10-26
ايكوميرس بالعربي
من الكويت إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. شركة Tap Payments ترسخ مكانتها بين رواد التكنولوجيا المالية في المنطقة

من الكويت إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. شركة Tap Payments ترسخ مكانتها بين رواد التكنولوجيا المالية في المنطقة

2026-10-18
ايكوميرس بالعربي
لماذا لا تعني زيادة مبيعات المتجر الإلكتروني ارتفاع أرباحه؟

لماذا لا تعني زيادة مبيعات المتجر الإلكتروني ارتفاع أرباحه؟

2026-10-13
ايكوميرس بالعربي
ما هي الأرقام التي دعمت Tabby السعودية لتتصدر قائمة فوربس لأقوى 50 شركة تكنولوجيا مالية في الشرق الأوسط لعام 2026؟

ما هي الأرقام التي دعمت Tabby السعودية لتتصدر قائمة فوربس لأقوى 50 شركة تكنولوجيا مالية في الشرق الأوسط لعام 2026؟

2026-10-08
ايكوميرس بالعربي
إذا كنت تبحث عن البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. تعرف على أداة SAJ من Just2Pay

إذا كنت تبحث عن البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. تعرف على أداة SAJ من Just2Pay

2026-10-06
ايكوميرس بالعربي
ماستركارد تمنح التجار في المنطقة طريقة أسهل لبناء تجارب تسوق مدعومة بالذكاء الاصطناعي.. تعرف عليها

ماستركارد تمنح التجار في المنطقة طريقة أسهل لبناء تجارب تسوق مدعومة بالذكاء الاصطناعي.. تعرف عليها

2026-10-01
ايكوميرس بالعربي