يتجه المحتوى الرقمي بصورة متزايدة إلى لعب دور مباشر في قرارات الشراء، مع اعتماد المستهلكين على مراجعات المنتجات وتجارب الاستخدام والمقارنات قبل اختيار ما يناسبهم. وفي هذا السياق، تتداخل صناعة المحتوى مع التجارة الإلكترونية، لتتحول مقاطع الفيديو من وسيلة لاكتشاف المنتجات إلى قناة يمكن من خلالها الوصول إلى المتاجر وإتمام عمليات الشراء.
ويمنح هذا التحول صناع المحتوى فرصة لتنويع مصادر دخلهم، بينما يتيح للتجار والعلامات التجارية الوصول إلى العملاء من خلال محتوى يقدم المنتجات في سياق الاستخدام الفعلي. وفي مصر، يكتسب هذا النموذج بعدا جديدا مع إطلاق YouTube برنامج التسويق بالعمولة ضمن خدمة «التسوق على YouTube»، بالتعاون مع Amazon، في مصر والسعودية والإمارات.
كيف يعمل نموذج التسويق بالعمولة على YouTube؟
تعتمد الفكرة على إتاحة الفرصة لصناع المحتوى المؤهلين لإضافة منتجات مباشرة إلى مقاطع الفيديو، بما يسمح للمشاهد بالتعرف على المنتج والانتقال إلى شرائه من المتجر. ويحصل صانع المحتوى على عمولة عند إتمام عمليات الشراء المؤهلة، وفقا لشروط البرنامج.
وتبدأ المرحلة الأولى من الإطلاق بالتعاون مع Amazon، فيما تخطط YouTube لإضافة المزيد من المتاجر وتجار التجزئة خلال الفترة المقبلة، وهو ما قد يوسع نطاق المنتجات المتاحة ويمنح صناع المحتوى خيارات إضافية لتلبية احتياجات جماهيرهم.
ومن أبرز ملامح البرنامج خفض الحد الأدنى لعدد المشتركين إلى 500 مشترك لصناع المحتوى المؤهلين، بما يتيح الفرصة أمام قنوات أصغر حجما للاستفادة من التسويق بالعمولة، بدلا من اقتصار الفرص التجارية على القنوات ذات الجماهير الكبيرة. ويظل الانضمام مرتبطا باستيفاء بقية شروط الأهلية التي تحددها المنصة.
فرص جديدة لصناع المحتوى.. من المشاهدات إلى المبيعات
بالنسبة إلى صناع المحتوى، يتيح البرنامج إمكانية تحقيق دخل إضافي من الجمهور الذي يتابع محتواهم بالفعل، من خلال ربط التوصيات والمراجعات بمنتجات يمكن شراؤها مباشرة. ويشمل ذلك محتوى مراجعة الهواتف والأجهزة الإلكترونية، ومقارنة المنتجات، وتجارب الاستخدام، والشروحات التعليمية، وغيرها من المجالات التي تساعد الجمهور على اتخاذ قرارات الشراء.
وتتوقف الاستفادة من هذا النموذج على اختيار المنتجات المناسبة لطبيعة الجمهور، وتقديم محتوى مفيد يساعد المشاهد على تقييم المنتج، وليس مجرد عرضه. فالمحتوى الذي يوضح الفروق بين البدائل أو يشرح مزايا المنتج وعيوبه واستخداماته يمكن أن يلعب دورا في قرار الشراء، بما يتيح لصانع المحتوى الاستفادة من ثقته لدى متابعيه.
كما يتيح البرنامج للقنوات الصغيرة فرصة اختبار نموذج تجاري في مرحلة مبكرة من نموها، مع ضرورة الانتباه إلى أن عدد المشتركين وحده لا يضمن تحقيق عائد؛ إذ ترتبط النتائج أيضا بمعدلات مشاهدة المحتوى، ومدى اهتمام الجمهور بالمنتجات، ونسبة إتمام عمليات الشراء، وقيمة العمولات.
ماذا يمكن أن يحقق النموذج للتجار والعلامات التجارية؟
لا تقتصر فرص الاستفادة على صناع المحتوى، إذ يمكن للتجار والعلامات التجارية الاستفادة من انتشار مراجعات المنتجات وتجارب الاستخدام للوصول إلى عملاء يبحثون بالفعل عن معلومات تساعدهم في الشراء.
ويتيح هذا النموذج ظهور المنتجات ضمن محتوى يتناسب مع اهتمامات المشاهد، بدلا من الاعتماد فقط على الإعلانات المباشرة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تساعد مراجعة متخصصة في الأجهزة الإلكترونية المستهلك على مقارنة الخيارات المتاحة، بينما تمنح تجربة الاستخدام في فئات أخرى مثل الأجهزة المنزلية أو مستحضرات التجميل فرصة لفهم المنتج قبل اتخاذ قرار الشراء.
ويمكن للشركات الصغيرة والمتوسطة الاستفادة من هذا الاتجاه عبر التعرف على صناع المحتوى الذين تتوافق جماهيرهم مع الفئات المستهدفة، ومتابعة أداء المنتجات التي تحظى باهتمام الجمهور. لكن الاستفادة العملية ستعتمد على المنتجات المتاحة ضمن البرنامج، وشروط التسويق بالعمولة، وآليات التعاون، ومدى قدرة المحتوى على تحقيق مبيعات فعلية.
ومع اقتصار المرحلة الأولى على الشراكة مع Amazon، تظل فرص التجار مرتبطة بنطاق المنتجات وآليات المشاركة التي يتيحها البرنامج حاليا، إلى أن تنضم متاجر وتجار تجزئة آخرون وفقا لخطط YouTube المعلنة.
أرقام تكشف حجم الاهتمام بمحتوى التسوق
تعكس بيانات YouTube حجم التداخل بين مشاهدة المحتوى والبحث عن المنتجات؛ إذ يقضي المستخدمون عالميا أكثر من 40 مليار ساعة سنويا في مشاهدة المحتوى المرتبط بالتسوق على المنصة.
وفي يونيو 2026، أجرى أكثر من 40 مليون مستخدم نشط في عدد من الدول العربية، بينها مصر والجزائر والمغرب والسعودية والإمارات، عمليات بحث عن التسوق والمنتجات عبر YouTube.
وأظهرت دراسة استقصائية أجرتها Kantar أن 94% من المشاهدين في السعودية والإمارات يرون YouTube وجهة لمحتوى التسوق، بما يشمل الفيديوهات الإرشادية والتعليمية، بينما بلغت نسبة من يتابعون مراجعات المنتجات 85%، ومقاطع فتح الصناديق واستعراض المنتجات للمرة الأولى 80%.
كما أشار 86% من المشاركين إلى ثقتهم في توصيات صناع المحتوى على YouTube عند اتخاذ قرارات الشراء، فيما قال 84% من المشاهدين في السعودية إن المنصة تمنحهم ثقة أكبر في اختيار المنتجات المناسبة.
وتوضح هذه المؤشرات أهمية المحتوى الذي يساعد المستهلك على فهم المنتجات ومقارنتها، لكنها لا تعني بالضرورة أن الاهتمام بالمحتوى يتحول تلقائيا إلى مشتريات؛ إذ يظل ذلك مرتبطا بجودة التوصيات واحتياجات الجمهور وتجربة الشراء.
نموذج يربط صناعة المحتوى بالتجارة الإلكترونية
يرى جافيد أصلانوف، رئيس YouTube في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن إطلاق البرنامج في مصر والسعودية والإمارات يمثل خطوة لدعم اقتصاد صناع المحتوى في المنطقة، من خلال تنويع مصادر دخلهم، بالتوازي مع إتاحة فرص للشركات للوصول إلى جماهير متفاعلة.
وأشار إلى أن الشراكة مع Amazon تتيح للشركات بمختلف أحجامها الوصول إلى العملاء في أثناء بحثهم عن ترشيحات وتوصيات موثوقة.
من جانبه، قال سوميت كابور، مدير التسويق وعضوية Prime في Amazon لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، إن التعاون يجمع بين توصيات صناع المحتوى وتجربة التسوق التي تقدمها Amazon، بما يتيح للمبدعين ربط متابعيهم بملايين المنتجات وتسهيل اكتشافها وشرائها.
وبالنسبة إلى السوق المصرية، تتيح هذه الخطوة اختبار نموذج يجمع بين صناعة المحتوى والتجارة الإلكترونية، ويمنح صناع المحتوى فرصة لتحقيق عائد من توصياتهم، بينما يوفر للتجار قناة إضافية للوصول إلى المستهلكين. وستتحدد النتائج الفعلية وفقا لمدى انتشار البرنامج، وتنوع المتاجر والمنتجات المشاركة، وقدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاعل مع المحتوى إلى عمليات شراء.
لا يوجد تعليقات بعد كن اول من يعلق.
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.