منذ أكثر من عشر سنوات، لم يكن قطاع المطاعم في السعودية يعتمد على التكنولوجيا بالشكل الذي نراه اليوم. كانت الإدارة اليومية، والمخزون، والمبيعات، وحتى التقارير المالية، تتم غالبًا بطرق تقليدية تستهلك الوقت وتفتح الباب للأخطاء. في هذا السياق، وُلدت فكرة شركة فودكس (Foodics)، التي تحولت خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أنجح شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) في الشرق الأوسط، وأحد أبرز الأمثلة على قدرة الشركات السعودية على المنافسة عالميًا.
تأسست فودكس عام 2014 على يد أحمد الزيني ومصعب العثماني، وهما رائدا أعمال شابان جمعتهما رؤية مشتركة لتبسيط إدارة المطاعم باستخدام التكنولوجيا. بدأت القصة من احتياج حقيقي لدى أصحاب المطاعم إلى نظام ذكي وسهل لإدارة عملياتهم اليومية، وهو ما دفع المؤسسين إلى تطوير نظام نقاط بيع سحابي يكون مرنًا وقابلًا للتوسع، ويواكب النمو المتسارع في قطاع الأغذية والمشروبات.
ومع انطلاقتها، ركزت فودكس على تقديم حل متكامل، لا يقتصر فقط على تسجيل المبيعات، بل يمتد ليشمل إدارة المخزون، وتتبع أداء الموظفين، وتحليل البيانات، وربط الفروع المختلفة في لوحة تحكم واحدة. هذا التوجه جعل المنصة جذابة بشكل خاص للمطاعم الصغيرة والمتوسطة، ثم لاحقًا لسلاسل المطاعم الكبرى، التي كانت تبحث عن حلول تقنية موثوقة وقابلة للنمو.
بمرور الوقت، تطورت فودكس من مجرد نظام نقاط بيع إلى منصة شاملة لإدارة أعمال المطاعم. أضافت الشركة خدمات الدفع الإلكتروني، وحلول الأكشاك الذاتية، وأدوات التحليل المتقدم، إلى جانب خدمات التمويل الموجهة للتجار، في خطوة عكست فهمًا عميقًا لاحتياجات السوق، وربطًا واضحًا بين التكنولوجيا والخدمات المالية. هذا التوسع جعل فودكس لاعبًا رئيسيًا في تقاطع قطاعي التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية.
نجاح النموذج انعكس سريعًا على ثقة المستثمرين. ففي عام 2017، أغلقت الشركة أولى جولات التمويل، ما ساعدها على توسيع فريق العمل وتطوير المنتج. لكن نقطة التحول الكبرى جاءت في عام 2021، عندما جمعت فودكس جولة استثمارية بقيمة 20 مليون دولار بقيادة Sanabil Investments، الذراع الاستثماري لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وبمشاركة صناديق رأس مال جريء بارزة في المنطقة.
وفي عام 2022، عززت فودكس مكانتها الإقليمية والعالمية بعد إغلاق جولة تمويل ضخمة من الفئة C بقيمة 170 مليون دولار، بقيادة شركة Prosus العالمية، وبمشاركة مستثمرين مثل STV وSequoia Capital India وEndeavor Catalyst. هذه الجولة وُصفت وقتها بأنها واحدة من أكبر جولات الاستثمار في شركات البرمجيات بالشرق الأوسط، ورفعت إجمالي التمويلات التي حصلت عليها فودكس إلى ما يقرب من 200 مليون دولار.
بالتوازي مع التمويل، اتجهت الشركة إلى التوسع عبر الاستحواذ، حيث استحوذت على شركة POSRocket، ما عزز حضورها في عدد من الأسواق الإقليمية مثل مصر والأردن والكويت. واليوم، تخدم فودكس عشرات الآلاف من المطاعم والمتاجر في أكثر من 35 دولة، وتُعالج مليارات الطلبات عبر منصتها، ما يعكس حجم التأثير الذي حققته خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
قصة فودكس ليست مجرد نجاح تقني أو استثماري، بل نموذج لشركة انطلقت من مشكلة محلية واضحة، واستطاعت تحويلها إلى حل عالمي قابل للتوسع. فهي مثال على كيف يمكن للتكنولوجيا، عندما تُبنى على فهم حقيقي للسوق، أن تغيّر طريقة عمل قطاعات كاملة، وتفتح أبوابًا جديدة للنمو والاستثمار.
اليوم، تُعد فودكس واحدة من أبرز قصص النجاح في منظومة الشركات الناشئة السعودية، ودليلًا عمليًا على أن التحول الرقمي في قطاع المطاعم لم يعد خيارًا، بل ضرورة، وأن الشركات التي تفهم هذا التحول مبكرًا هي الأقدر على قيادته.
لا يوجد تعليقات بعد كن اول من يعلق.
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.