تشير أحدث المؤشرات العالمية إلى أن قطاع التجارة الإلكترونية يمر بمرحلة إعادة تشكيل خلال بداية عام 2026، مع ظهور إشارات متباينة بين الأداء اللوجستي القوي من جهة، وتباطؤ نسبي في الطلب عبر قنوات البيع الرقمية من جهة أخرى، إلى جانب تحركات تنظيمية وإدارية داخل مؤسسات التجزئة الكبرى لإعادة ضبط استراتيجيات التجارة الإلكترونية.
ووفق بيانات حديثة صادرة عن تقارير متخصصة في قطاع الشحن، سجلت أحجام الشحن الجوي العالمية نموًا يقارب 7% خلال شهر يناير، مدفوعة بزيادة حركة البضائع عبر الحدود وتحسن نشاط سلاسل الإمداد مقارنة بفترات سابقة شهدت اضطرابات. ويعكس هذا النمو مرونة البنية التحتية اللوجستية وقدرتها على استيعاب الطلب العالمي.
لكن في المقابل، لفتت التقارير إلى أن هذا الارتفاع في الشحن لا يرتبط بنفس وتيرة نمو التجارة الإلكترونية التي كانت تُعد خلال السنوات الماضية المحرك الرئيسي للشحن السريع والجوي. حيث تظهر البيانات وجود تباطؤ نسبي في الطلب عبر المنصات الرقمية في عدد من الأسواق، وهو ما يطرح تساؤلات حول مرحلة النضج التي وصل إليها القطاع بعد سنوات من النمو المتسارع.
ويرى محللون أن التجارة الإلكترونية تمر حاليًا بمرحلة “تصحيح مسار” بعد طفرة استثنائية شهدتها خلال الأعوام السابقة، خاصة في فترة ما بعد الجائحة، حيث انتقلت من مرحلة النمو الكمي السريع إلى مرحلة التركيز على الكفاءة التشغيلية، وجودة تجربة المستخدم، وربحية العمليات.
تأثير مباشر على سلاسل الإمداد
التباطؤ النسبي في الطلب الرقمي يضع ضغوطًا مباشرة على شركات الخدمات اللوجستية التي استثمرت بقوة في البنية التحتية المرتبطة بالتجارة الإلكترونية، مثل مراكز التنفيذ السريع، وخدمات التوصيل في نفس اليوم، وأنظمة إدارة المرتجعات. ومع تراجع معدلات النمو، قد تتجه هذه الشركات إلى إعادة تسعير الخدمات أو تحسين الكفاءة التشغيلية لتعويض الفجوة في الطلب.
كما يتوقع خبراء أن تشهد الفترة المقبلة تحولًا من التركيز على السرعة فقط إلى مزيج من السرعة + التكلفة + الاستدامة، خاصة مع ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وزيادة الضغوط التنظيمية المرتبطة بالانبعاثات الكربونية.
تحركات قيادية تعكس إعادة ترتيب الأولويات
بالتوازي مع هذه المؤشرات، يشهد قطاع التجزئة العالمي تحركات قيادية في مناصب مرتبطة بالتسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية، حيث أعادت مجموعات تجزئة كبرى تعيين قيادات تنفيذية متخصصة في إدارة القنوات الرقمية وتجربة العملاء. وتُفسَّر هذه الخطوات على أنها إشارة إلى أن الشركات لم تعد تتعامل مع التجارة الإلكترونية كقناة مبيعات إضافية، بل كمنظومة استراتيجية تحتاج إلى إعادة تطوير وهيكلة.
هذا التوجه يعكس تحولًا من مرحلة “التوسع الرقمي” إلى مرحلة “تحسين الأداء الرقمي”، حيث أصبح التركيز على:
-رفع معدلات التحويل
-تحسين تجربة المستخدم
-تقليل تكلفة اكتساب العميل
-استخدام الذكاء الاصطناعي في التخصيص وخدمة العملاء
-دمج القنوات البيعية بين الأونلاين والأوفلاين
ملامح المرحلة القادمة
تشير القراءة المجمعة لهذه التطورات إلى أن التجارة الإلكترونية عالميًا لا تتراجع، لكنها تدخل مرحلة أكثر نضجًا وانتقائية. النمو المستقبلي لن يعتمد فقط على زيادة عدد المشترين عبر الإنترنت، بل على:
-جودة التجربة الرقمية
-كفاءة سلاسل الإمداد
-استخدام التقنيات الذكية في التوصية وخدمة العملاء
-قدرة الشركات على إدارة التكاليف والمرتجعات
-التكامل بين التجارة الإلكترونية والتجارة الاجتماعية والمحتوى
ويتوقع مراقبون أن تشهد الفترة المقبلة موجة استثمارات تركز على تحسين الكفاءة والربحية بدلًا من التوسع السريع، مع دور أكبر للتقنيات الذكية والتحليلات التنبؤية في توجيه قرارات البيع والتسويق.
لا يوجد تعليقات بعد كن اول من يعلق.
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.