تشهد التجارة الإلكترونية العالمية تحولا جذريا في هيكلها، مع صعود لافت لنموذج “الماركت بليس” (المنصات الوسيطة)، الذي بات يستحوذ على النصيب الأكبر من إيرادات السوق، في مؤشر واضح على تغير سلوك المستهلكين واستراتيجيات الشركات على حد سواء.
وكشفت بيانات حديثة صادرة عن منصة تحليل الأسواق ECDB أن نحو 83.4% من إجمالي إيرادات التجارة الإلكترونية عالميا باتت تُحقق عبر منصات الماركت بليس، مقارنة بحوالي 17% فقط عبر المتاجر الإلكترونية المباشرة (Direct-to-Consumer).
تحول في نموذج الأعمال
يعكس هذا التحول انتقالًا واضحًا من نموذج البيع المباشر إلى نموذج يعتمد على أطراف ثالثة (3P)، حيث تتيح المنصات الرقمية للتجار عرض منتجاتهم والوصول إلى قاعدة عملاء أوسع دون الحاجة إلى بنية تحتية مستقلة. وفي المقابل، تستفيد المنصات من العمولات وخدمات الدفع والإعلانات.
وتشير البيانات إلى أن حصة المتاجر المباشرة (1P) تراجعت إلى نحو 16.6% بحلول عام 2025، ما يؤكد تراجع الاعتماد على المواقع الخاصة بالعلامات التجارية لصالح المنصات متعددة البائعين.
نمو مدفوع بسلوك المستهلك
هذا التوسع لا يرتبط فقط بالمنصات، بل أيضًا بتغيرات أعمق في سلوك المستهلكين، حيث أصبحوا يفضلون تجربة تسوق موحدة تتيح لهم مقارنة الأسعار، وتعدد الخيارات، وسهولة الدفع والشحن من مكان واحد.
كما ساهمت عوامل مثل:
-زيادة عدد المتسوقين عبر الإنترنت
-ارتفاع معدل تكرار الشراء
-انتشار التجارة عبر الهواتف المحمولة
في تسريع هذا التحول، وهو ما دفع التجارة الإلكترونية لتجاوز حاجز 4.8 تريليون دولار عالميًا في 2025 مع توقعات بتخطي 5 تريليونات دولار في 2026.
دور متزايد في الاقتصاد العالمي
بالتوازي، تواصل التجارة الإلكترونية تعزيز موقعها داخل منظومة التجارة العالمية، إذ من المتوقع أن تمثل أكثر من ربع إجمالي مبيعات التجزئة عالميًا بحلول 2026، ما يعكس تسارع التحول الرقمي في الأسواق.
تأثير مباشر على الشركات الناشئة
بالنسبة للشركات الناشئة، يفتح هذا الواقع فرصًا كبيرة للنمو السريع دون الحاجة لاستثمارات ضخمة في البنية التحتية، حيث يمكنها الاعتماد على المنصات للوصول إلى الأسواق.
لكن في المقابل، يفرض هذا النموذج تحديات جديدة، أبرزها:
-شدة المنافسة داخل المنصات
-الاعتماد الكبير على سياسات المنصة
-ضغوط التسعير والعمولات
مستقبل السوق
تشير الاتجاهات الحالية إلى أن هيمنة الماركت بليس مرشحة للاستمرار، خاصة مع اعتماد هذه المنصات بشكل متزايد على تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتحسين تجربة المستخدم وزيادة معدلات التحويل.
وفي ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الشركات ستنضم إلى هذه المنصات، بل كيف يمكنها تحقيق التوازن بين التواجد داخلها وبناء قنوات بيع مستقلة تضمن لها الاستدامة على المدى الطويل.
لا يوجد تعليقات بعد كن اول من يعلق.
إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.